فلسطين أون لاين

تحليل الردع والحسابات الداخلية… لماذا تتصاعد وتيرة التصعيد في قطاع غزة؟

...
صورة من الأرشيف
غزة/ عبد الرحمن يونس:

مع تصاعد وتيرة الخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة، وعودة المشهد الميداني إلى حالة من التوتر المتدرّج، تبرز تساؤلات جدّية عن الأسباب الفعلية التي تقف وراء هذا المسار المتسارع، وما إذا كان يندرج في إطار ضغوط تكتيكية محدودة أم يعكس توجّهًا إستراتيجيًا لإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي في القطاع.

في هذا السياق، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي أحمد عبد الرحمن قراءة تحليلية، لصحيفة “فلسطين”، يرى فيها أن الأشهر الأربعة التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل متباينة.

طالع المزيد: خبير: خروقات الاحتلال المستمرة تهدف لاختبار صبر المقاومة واستنزاف غزة

فالمرحلة الأولى، التي امتدت نحو شهر ونصف، اتسمت بهدوء نسبي رغم تسجيل خروقات إسرائيلية، ما أعطى انطباعًا بإمكانية تثبيت التهدئة. غير أن المرحلة الثانية شهدت تصاعدًا تدريجيًا في حجم ونوعية الخروقات، وصولًا إلى المرحلة الثالثة التي اتسمت — وفق عبد الرحمن — بتوسّع التصعيد ليشمل الجوانب الميدانية والإنسانية والإدارية معًا.

ويرى عبد الرحمن أن أحد الأسباب الجوهرية وراء هذا التسارع يتمثل في سعي إسرائيل إلى فرض وقائع جديدة على الأرض تعيد رسم حدود السيطرة الفعلية داخل القطاع. ويتجلّى ذلك في توسيع المناطق العازلة شرق غزة، والاقتراب من محاور حيوية، إلى جانب أعمال التحصين والحفر التي توحي بإرساء ترتيبات أمنية طويلة الأمد.

ويشير إلى أن هذه الإجراءات لا يمكن فصلها عن رؤية أوسع تستهدف تقليص المساحة المتاحة للحركة المدنية، وخلق بيئة ضاغطة تُبقي القطاع في حالة استنزاف دائم، بما يعقّد أي محاولة للانتقال من التهدئة إلى الاستقرار المستدام.

إلى جانب البعد الميداني، يربط عبد الرحمن التصعيد باعتبارات السياسة الداخلية الإسرائيلية، في ظل ما تواجهه حكومة بنيامين نتنياهو من ضغوط سياسية وقضائية وانتقادات تتعلق بإدارة الحرب.

ويعتبر أن تشديد القبضة الأمنية في غزة قد يشكّل ورقة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي وتعزيز خطاب القوة والردع أمام الجمهور الإسرائيلي، خصوصًا في بيئة سياسية تميل إلى تغليب المقاربة الأمنية.

هذا البعد الداخلي، بحسب عبد الرحمن، لا ينفصل عن الرغبة في تجنّب أي صورة توحي بتراجع أو تنازل، وهو ما يفسّر استمرار العمليات العسكرية المحدودة والاغتيالات حتى في ظل وجود تفاهمات لوقف إطلاق النار.

طالع المزيد: إطلاق النار العشوائي من جيش الاحتلال.. خوف دائم وشهادات من قلب الخيام والمنازل

من جانبه، يرى الباحث في الشأن الأمني الدكتور أيمن إسماعيل، لـ“فلسطين”، أن التصعيد يرتبط أيضًا بما يسميه “التغذية الراجعة للسلوك الجمعي الغزي”.

ويشير إلى أن حجم المشاركة الشعبية في جنازات الشهداء والهتافات ذات الطابع الأيديولوجي التي رافقتها حملا رسائل معاكسة لما كانت تسعى إليه إسرائيل من خلال عملياتها العسكرية.

ويعتقد إسماعيل أن مشاهد الحشود والتفاعل الشعبي تعكس — من وجهة نظر إسرائيل — أن سياسة الردع لم تحقق أهدافها كاملة رغم حجم القوة المستخدمة والدمار الواسع، كما أن محاولات الفصل بين المقاومة وحاضنتها الاجتماعية لم تُفضِ إلى نتائج حاسمة، ما قد يدفع نحو تصعيد إضافي في محاولة لإعادة ترسيخ معادلة الردع.

ولا يقتصر التصعيد على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد — وفق عبد الرحمن وإسماعيل — إلى أدوات ضغط غير مباشرة تتمثل في تقليص إدخال المساعدات الإنسانية والصحية، وفرض قيود مشددة على الحركة عبر المعابر، إضافة إلى تعطيل عمل جهات إدارية أُعلن عن تشكيلها لإدارة شؤون القطاع.

ويرى إسماعيل أن استمرار منع هذه الجهات من مباشرة عملها يفاقم حالة الفراغ المؤسسي، ويؤخر جهود إعادة الإعمار وتنظيم الخدمات، ما يُبقي المشهد في حالة سيولة أمنية وإدارية. ويضيف أن هذا التعطيل يحدّ من فرص تثبيت الاستقرار، ويجعل القطاع أكثر عرضة للتوترات الداخلية والخارجية.

أما عبد الرحمن، فيلفت إلى أن إبقاء القطاع في حالة هشاشة دائمة قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى منع تعافي الحياة المدنية، وإبقاء البيئة الاجتماعية تحت ضغط اقتصادي وإنساني متواصل.

ومن بين المؤشرات التي يعوّل عليها المراقبون في تفسير التصعيد تزامنه مع تحركات عسكرية مكثفة في محيط القطاع وزيادة وتيرة الاستطلاع الجوي. ويعتبر إسماعيل أن هذه التطورات تفتح الباب أمام احتمالات تتعلق بالتحضير لخيارات عسكرية مستقبلية، سواء في حال تعثرت التفاهمات القائمة أو شهد الإقليم تطورات أوسع قد تنعكس على الساحة الفلسطينية.

ويشير إلى أن تكثيف التحصينات شرق القطاع وإنشاء مواقع عسكرية إضافية يعزّزان فرضية الاستعداد لسيناريوهات تصعيدية، حتى وإن لم يُتخذ قرار بالعودة إلى حرب شاملة بعد.

في ضوء هذه المعطيات، يتفق عبد الرحمن وإسماعيل على أن المشهد في غزة يقف عند مفترق طرق حساس؛ فالتفاهمات القائمة ما تزال قائمة شكليًا، لكن الخروقات المتزايدة تُضعف الثقة بها وتدفع نحو حالة من الترقب الحذر.

ويرى عبد الرحمن أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تقويض الأسس التي قام عليها وقف إطلاق النار إذا لم تتدخل أطراف فاعلة لضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، فيما يؤكد إسماعيل أن غياب المعالجة السياسية الشاملة والاكتفاء بإدارة التوتر عبر أدوات عسكرية وضغوط إنسانية يُبقي احتمالات التصعيد قائمة.

في المحصلة، يبدو أن تسارع وتيرة التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة لا يرتبط بعامل واحد، بل هو نتاج تداخل معقّد بين اعتبارات الردع، والحسابات السياسية الداخلية، ومحاولات فرض ترتيبات أمنية جديدة، إضافة إلى استخدام الأدوات الإنسانية والإدارية كوسائل ضغط. وبين هذه العوامل جميعًا، يبقى القطاع عالقًا في معادلة دقيقة تتأرجح بين تثبيت تهدئة هشة أو الانزلاق مجددًا إلى دائرة مواجهة أوسع، ما لم تُعالَج جذور التوتر المتراكم.

المصدر / فلسطين أون لاين